حسن الأمين
28
مستدركات أعيان الشيعة
( القبجاق ) المعروف بعدالته وإنصافه وإخلاصه للمسلمين وسعيه في نشر العمران والمشهور بعظمة دولته وقوتها فتحرك نحو آذربايجان وإيران على رأس جيش جرار فدخل القفقاز حتى وصل ضفاف نهر ( كر ) . وعند ما بلغ الخبر ملك المغول قدم على خانقاه أردبيل والتقى الشيخ فيه وطرح عليه الأمر ، ثم أخبره أنه أرسل جميع قواته للتصدي لملك الأوزبك الذي قدم على رأس جيش جرار من الأتراك والمغول الكافرين وطفق يعيث في الأرض فسادا فينهب ويقتل ويحرق ، فالتفت الشيخ إلى السلطان أبي سعيد وطمانه ثم بعث إلى ملك الأوزبك بأحد خلفائه المعروفين وهو المرشد عز الدين . فأبلغه عن لسان الشيخ ما يلي : « يقول الشيخ بأنك ملك مسلم عادل فكيف ترضى بمهاجمة المسلمين بجيش من المغول الكافرين وعبدة الأصنام . فاما أن تعود عن هذه البلاد بإرادتك وإما تعيدك الروح المقدسة لحضرة خاتم الأنبياء محمد ( ص ) مرغما . وعند ما سمع ملك الأوزبك هذا الخطاب أطرق هنيهة يتفكر ، ثم رفع رأسه للمرشد عز الدين وقال له : بلغ سلامي إلى الشيخ وقل له باني سأعود بارادتي بشرط أن تكون راضيا عني . « وفي اليوم التالي انسحب ملك الأوزبك عن ضفاف نهر ( كر ) إلى سهول القبجاق خلافا لرغبة أمراء وقادة جيشه . وبقي المقام الرفيع للشيخ صفي الدين ونفوذه الواسع محفوظين لذريته ومشايخ الخانقاه الصفوي ، بل كانا يتزايدان بمرور الزمان ، وقصة الملك الأشرف الجوباني وسقوط دولته الموروثة دليل على هذه الحقيقة ، وقد تعرض لذكرها صاحب صفوة الصفا في صفحة 325 وكذلك ذكرها مؤرخون آخرون مثل السيد السيفي القزويني في ( لب التواريخ ) وخلاصة هذه القصة هي كما يلي : بعد أن بلغ الملك الأشرف الجوباني سدة الحكم أخذ يعامل رعيته بكل قسوة وجور ، فعذب الفلاحين والمتمولين الذين جمعوا أموالهم بالتجارة والكدح وصادر كل ما جمعوه وبلغ بظلمه وجوره حدا أن عذب العلماء والعباد والمشايخ الكبار ثم انتهى به الأمر إلى التفكير باعتقال الشيخ صدر الدين وحبسه في إحدى القلاع لاعتراضه على سلوكه ووقوفه في وجهه فاضطر الشيخ للهجرة من أردبيل إلى [ پيلان ] گيلان فمكث فيها ، وهاجر العديد من كبار العلماء والمشايخ إلى خارج البلاد هربا من ظلم الملك الأشرف ومن بين المهاجرين بعض خلفاء الشيخ صفي الدين مثل شمس الدين حافظ السلماسي وآخرين حيث هاجروا برفقة القاضي محيي الدين البردعي إلى السهول المتاخمة للقفقاز وحطوا رحالهم في مدينة ( سراي ) عاصمة جاني بيك ملك السهول ، واشتغلوا فيها بالوعظ والإرشاد . وكان الملك جاني بيك خان ملكا مسلما عادلا ، فلما سمع بدخول هؤلاء الصالحين بلاده ، بادر إلى حضور مجلس الوعظ الذي يقيمه القاضي في أيام الجمعة . فتعرض القاضي خلال مجلسه لذكر المظالم التي يرتكبها الملك الأشرف بحق المسلمين وكان أسلوبه مؤثرا فاجهش الحاضرون بالبكاء ومن بينهم الملك ، ثم أشار إلى الحديث الشريف ( كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته . . . ) ثم خاطب الملك قائلا إذا كان الله منح الملك العادل القدرة والمنعة فقد كلفه برفع مظالم الملك الأشرف عن رؤوس المسلمين . فبادر الملك جاني بيك خان إلى تجهيز جيشه وبعد شهرين تحرك نحو آذربايجان فدخل أردبيل ومكث فيها بضعة أيام منتظرا موكب الشيخ صدر الدين موسى حيث كان مقررا أن يقدم إليه من [ پيلان ] گيلان ثم توجه إلى تبريز فهزم الملك الأشرف وأمسك به وصادر حمولة أربعة مائة بعير من الذهب والجواهر كان الملك الأشرف قد أخذها من الناس غصبا . ثم قدم الشيخ صدر الدين من [ پيلان ] گيلان فعرج على مرقد الشيخ صفي الدين ثم توجه إلى معسكر الملك وكان وصوله في اليوم الثاني من حمل الملك الأشرف إلى المعسكر وحبسه في إحدى الخيام ، فلما دخل الشيخ صدر الدين علت أصوات التهليل في أركان المعسكر فبلغت مسامع الملك الأشرف وسال عنها فأخبروه ، إنه الشيخ صدر الدين قادم بموكبه ، فتأوه وتحسر ثم راح يتوسل بالشيخ أن يصفح عنه ويبكي بكاء حارا فحاول الشيخ أن يصفح عنه ويشفع له لكن كبار علماء الإسلام لم يكونوا راغبين في الشفاعة وكان رأيهم أن يفوض الأمر إلى صاحبه ، وبعد بضعة أيام من عودة الشيخ قتل الملك الأشرف في الخامس من رجب ( 1 ) مقدمات ظهور الصفويين كان الشيخ صفي الدين الأردبيلي أول شخص من أفراد الأسرة الصفوية يصل مقاما شامخا ويشتهر اسمه في الآفاق . وقد حظي الشيخ صفي بمنزلة كبيرة واحترام فائق في أوساط الملوك المغول الحديثي العهد بالإسلام . وكان الملوك المغول بعد اعتناقهم الإسلام يرون لزوم بقاء معنويات الشعب الإيراني عالية والحفاظ على أفكاره منسجمة في سبيل الاحتفاظ باستقلال البلاد وللوصول إلى غايتهم هذه كانوا يهتمون بالشيخ الزاهد الكيلاني وخليفته الشيخ صفي الدين الأردبيلي ، ومن ثم اتبع ملوك المغول وأمراؤهم طريقة الشيخ صفي الدين . وقد ذكرنا أن الشيخ صفي الدين كان يؤكد على أتباعه ضرورة الالتزام باحكام الشريعة والحفاظ على مظاهرها ، وبذلك أخذت مبادئ الدين والأخلاق تستعيد وجودها وثباتها بعد أن
--> ( 1 ) صفوة الصفا صفحة 328 .